ضربني وبكى ، سبقني واشتكى

 

1965 تجنيس سياسي و تغيير تركيبة الناخبين.

1967 تزوير الإنتخابات.

1976 حل مجلس الأمة حل غير دستوري و تشكيل لجنة تنقيح الدستور.

1981 تغيير الدوائر من 10 إلى 25 وتقسيم الكويت إلى طوائف وقبائل.

1986 حل مجلس الأمة حل غير دستوري و الإتيان بالمجلس الوطني.

 

إن البعض يقول أن سبب تعطيل التنمية هو مجلس الأمة، و هو سبب ما حصل للكويت من تأخر وتراجع. و أجد نفسي متفقاً مع من يقول هذا الكلام بنسبة كبيرة، فبعد كل المحاولات السابقة لوئد سلطة الأمة، كان لابد من نجاح الخطة وجعل مجلس الأمة مجلساً لإسقاط القروض و توزيع المكافآت و محاربة (ستار أكاديمي).

إن حسبه الخراب و الفساد سهله وبسيطه، فالحكومة ما عليها إلا أن تتوقف عن تأدية عملها على النحو المطلوب، فيجد المواطن حياته باتت أصعب (معاملاته معطلة، عدم المساواة في الفرص … الخ)، فيأتي المرشح ويعد المواطن بأن يسهل حياته (تخليص معاملات و واسطات … الخ)، ثم تأتي الحكومه وتعد المرشح بأن تخلص معاملات ناخبيه مقابل وقوفه معها ضد القوى الوطنية التي انشغلت بقضايا السرقات و المال العام وغيرها من القضايا التي لا تمس المواطن بشكل مباشر. وهكذا نجد أنفسنا في حلقة مفرغة، فالمواطن يريد النائب الفاسد والنائب الفاسد يريد الحكومه الفاسده والحكومه الفاسده تريد النائب الفاسد، ناهيك عن تحالف النظام مع القوى الإسلامية (اللتي جل اهتمامها هو منع الحفلات و منع الاختلاط .. و الخ من الأمور التافهه).

اذن بالنهاية نجد أن من يعطل التنمية ويأخر البلد هو (النظام) الذي صنع هذا المثلث (الحكومه الفاسده – النائب الفاسد – المواطن المظلوم)، لأن الحاكم هو من يختار رئيس حكومته و يعطي الثقة لأعضاء هذه الحكومه، ولأن الحاكم هو من قام بغيير الدوائر و هو من قام بحل المجلس أكثر من مرة حلاً غير دستوري. إذن النظام هو المسبب الرئيسي لهذه المشكلة !!

كل ما سبق ذكره جعل الكويت تضرر بشكل كبير من جميع النواحي، فالأمن تضرر (الغزو العراقي و الجماعات الجهادية) و الإقتصاد تضرر (أزمة المناخ) و المجتمع تضرر (انعدام القيم وانتشار المشاكل الاجتماعية). و هناك ضرر لا يقل أهمية عن ما سبق وهو قيام بعض أطراف الأسرة باستغلال هذا الوضع الفاسد والمحاولة للوصول إلى كرسي الحكم، ويمكنكم أن تتخيلوا ماذا سيقوم به هذا الحاكم الذي وصل للحكم عن طريق إستغلاله لضعف الشعب و فساد الدولة.

إن ما أريد أن أوصله من ما سبق هو، أن العيب ليس بالديمقراطية فما حصل بالبلد ليس نتاج ديمقراطية بل نتاج محاربة الديمقراطية. فمن عطل التنمية هو من حل المجلس حلا غير دستوري و أتى بمجلس وطني، ومن عطل التنمية هو من زور الإنتخابات، ومن عطل التنمية هو من عمل على تجنيس الآلاف كأوراق إقتراع، ومن عطل التنمية هو من قسم البلد إلى طوائف و قبائل، ومن عطل التنمية هو من ضخ المال السياسي وسكت عن عمليات شراء الأصوات.

والآن يأتي من كان سببا رئيسياً لكل هذه المصائب و يروج لفكرة إلغاء المجلس بحجه تعطيل المجلس للتنمية، وهو بالواقع لا تهمه البلد ولا تطورها، وكل همه الاستفراد بالحكم و تهميش دور الشعب. لانه يتضايق وينزعج من فكرة مشاركة الحكم مع الشعب فهو يريد البلد ملكاً له بكل ما فيها. يا آل الصباح لا هيبه لكم إلا إذا احترمتم العقد اللذي بينكم و بين الشعب فزمن المشيخه إنتهى، وسلطة الشيخ انتهت منذ أول يوم من التصديق على الدستور. إننا شركاء ولسنا تابعين، و يجب عليكم أن تعوا هذه الحقيقة وتعيشوا بالواقع، كفاكم أحلاما بأن تصبحوا مثل أمراء السعودية فالكويت دولة نظام الحكم فيها ديمقراطي والأمة هي مصدر السلطات جميعاً.

 

…………………..

 

شكر للزميل عاجل على الصور

Advertisements

من هم سكان الكويت ؟

 

مقالة للكاتب المخضرم عبداللطيف الدعيج، يكتب فيها عن مشكلة التجنيس السياسي و تأثيره السلبي على الكويت في نواحي عدة. المقالة دسمة ومفصلة ومفيدة جدا، تمت كتابتها بتاريخ 21 اكتوبر 1974

من هم سكان الكويت ؟

لا شك أن موضوع التجنيس في الكويت كان ولا يزال مدار حوار وأخذ و عطاء في جميع الميادين، وفي شتى المجالات، وبين كل المستويات، ولا شك أيضا بأن العديد من المعنيين ببعض الأمور قد اضطروا مراراً إلى تجاوز البحث في هذا الموضوع عند اصطدامهم به بشكل مباشر أو غير مباشر وذلك بسبب خطورة البحث في هذا الموضوع، و بسبب الخشية من أن يؤول الكثيرون من المتمصلحين من عمليات التجنيس الفجائية و غير الطبيعية، الخشية من أن يؤول هؤلاء و يفسروا البحث بغير ما قصد إليه و بعيداً عن النتائج الإيجابية التي قد يتوصل إليها من يحاول أن يطرق موضوع التجنيس في الكويت.

و نحن و مع إدراكنا لصعوبة الخوض في هذا الموضوع، ومع وعينا للكثير من المطبات و المزالق التي سوف يفتعلها من حاول و يحاول كثيراً أن يكبت الجدل حول التجنيس أو أن يطمس الحقائق التي يسجلها البعض على عمليات التجنيس الخاظئة و الفجائية التي تمت خلال السنوات الماضية، نحن مع إدراكنا لكل هذا سنحاول ان نطرق هذا الموضوع و إنْ بعنف وصراحة قد يرتعب منهما البعض، و لذا سنسعى لأن نسجل وتطويقاً مبكراً لأية ردة فعل قد تحاول إلهاب المشاعر واستفزاز النعرات و العصبيات الكامنة، سنسجل تحفظنا المسبق – وغير الملزم أيضاً – على أية محاولة للطعن في هذا البحث أو تشويه مراميه و مقاصده، كما سنسجل أيضا – وهذا هو المهم – أن أي اعتراض نتوصل إليه على عمليات التجنيس يبقى اعتراضاً وانتقاداً لهذه العمليات وليس على أي شيء آخر، وبمعنى أوضح لن يكون تحفضنا أو اعتراضنا منطلقاً من دافع إقليمي أو عنصري كما قد يحاول البعض أن يصوره، على هوية و أصل من طالتهم عمليات التجنيس بقدر ما سيكون اعتراضاً وانتقاداً لهذه العمليات وحسب…

كانت هذه مقدمة ضرورية حتى لا يجنح البعض بعيداً في محاولة تأويل ما سنطرحه واستثارة العواطف ضده من خلال تفسيره بما يخدم طموحات و أوضاع البعض، وبالتالي يعزز مصالحه التي لن تكون سوى طائفية أو قبلية أو ترتكز عليهما على الأقل…

والآن وبعد هذه المقدمة التوضيحية، ماذا لدينا حول عمليات التجنيس من ملاحظات؟ كيف تمت وكيف كان يجب أن تتم؟؟

كي نستطيع أن نتفهم الوضع جيدا، و كي نستطيع أيضاً أن نحدد موقفا صريحا و علميا من عمليات التجنيس لا بد لكي نصل إلى ذلك من الرجوع قليلاً إلى الخلف، ليس فقط إلى تاريخ و أوضاع صدور قانون الجنسية الكويتي لعام 1959 بل إلى قبل ذلك بقليل، أي بعيد بدء الإنتاج النفطي و تدفق عائداته بقليل .. وإذا كانت هذه الفترة هي التي تعنينا في رصد مسار عملية التجنيس في الكويت فإن الفترة التي سبقتها بقليل أيضاً تعيننا على تحديد سكان الكويت و هويتهم في تلك الفترة.

في الفترة التي سبقت الإنتاج النفطي كان سكان الكويت ينقسمون ظاهرياً – وليس حقيقياً – إلى ثلاث فئات عنيت كل فئة بقالب إقتصادي مميز.

* ففي المدينة حيث تحضر الكويتيون – الذين كانوا بدوا في الأصل – كان الإنتاج يعتمد على الملاحة و التجارة سواء في الغوص أو السفر مع بعض الصناعات الخفيفة التي تولاها القادمون من الإحساء أو القادمون من نجد بدون إنتماء قبلي محدد.

* وفي القرى أو الواحات بالأصح تمركز القرويون الذين كانوا أيضا في الأصل من البدو – معضمهم من العوازم – يحترفون الزراعة بشكل أساسي إلى جانب امتلاك الماشية و صيد السمك.

* وفي اطراف المدينة و القرى ظل البدو – أصل الكويت – يمارسون الرعي لحساب أنفسهم بشكل جزئي و لحساب أسر القرى الغنية بشكل أعم.

و الواقع أن هذا الإنقسام كان ظاهرياً وليس حقيقياً كما قلنا، حيث أن هذا التقسيم قد تم بناءً على استعدادات الفرد و حاجاته الاقتصادية أكثر مما تم بناءً على انتمائه أو موقعه الاجتماعي، إذ نشط كثير من البدو في مجال التجارة كما مارس بعضهم الغوص بالإضافة إلى مزاولة بعض الاعمال الاخرى في المدينة – خصوصا عند انتهاء موسم الرعي او فقر الأرض بسبب قلة الامطار – كحراس أو فداوية أو أدلاء للقوافل التجارية أو قوافل الحجيج، في الوقت نفسه الذي مارس فيه أهل المدينة الزراعة او الرعي سواء قاموا بذلك بأنفسهم أم وظفوا الرعاة أو الزراع للقيام بها، و كذلك هو الحال أيضا مع أهل القرى الذين لم يكونوا منقطعين للزراعة وحسب.

القصد أنه كانت هناك علاقات اجتماعية قوية بين هذه الأقسام الثلاثة، كما أن تبادل المنفعة المادية كان يوثق بينهم بعمق حيث كان سكان المدينة يعتمدون على اهل القرى و البادية في غذائهم بينما كان هؤلاء يعتمدون عليهم في وصلهم بالعالم الخارجي و منتجاته بالإضافة إلى تصريف منتجاتهم في المدينة واعتمادهم على تجارها في تمويل عمليات انتاجهم. هذا بالإضافة إلى الصلات الإجتماعية التي كانت قائمة وأيضا بقوة بين هذه الأقسام عبر القرابة و المصاهرة، أي رغم الإختلاف النسبي بين بيئات هذه الأقسام الثلاثة فإن العلاقات الإجتماعية أوجدت بينهم حدا ادنى من التكوين الثقافي المشترك الذي وفر لهم فرصة التعايش معاً بحيث كان من الصعب، و إن لم يكن مستحيلاً في ذلك الوقت التميز بين أفراد هذه الأقسام.

هكذا و بتبسيط شديد كان الوضع قبل تدفق العائدات النفطية، أما بعدها فقد ابتدأت تركيبة السكان في الكويت في التمدد كماً و كيفاً، وكان لازدهار الكويت المدينة في اوائل القرن العشرين، ثم اكتشاف النفط السبب الأساسي لأن يكون هذا التمدد مقصوراً على سكان المدينة وحدهم. وكان لاتساع الحرف والصناعات الخفيفة وما تطلبته عمليات النفط من قوى و أيد عاملة فنية أن كان التمدد في القسم الحضري من سكان الكويت وحسب، فالخدمة المنزلية والرسمية التي كان يأنفها أهل البادية ولا يطيقها سكان القرى اجتذبت أبناء الخليج العربي و المهرة وعمان، أما أعمال البناء و شق الطرق الشاقة فقد تولاها الإيرانيون والعراقيون بينما استحوذ القادمون من الشام ومصر على الأعمال المكتبية و التقنية و سلك التعليم، و غني عن القول هنا أن هذا المد البشري الهائل الذي اجتاح الكويت مع تدفق العائدات النفطية كان بحاجة إلى منتوجات القرى الزراعية ومنتوجات البادية الرعوية، ولكن هذا يجب أن لا يدفعنا إلى الوهم بأنه كان سيؤدي إلى تمدد موازٍ في سكان القرى والبادية من اجل تلبية حاجة استهلاك المجتمع الجديد الزراعية و الحيوانية، فالواقع أنه كان يفرض ذلك إلا أن شيئاً منه لم يتم بسبب فقر المراعي الكويتية و انعدام الماء وندرة التربة الزراعية، و لهذا كان طبيعياً أيضاً أن لا يعم التمدد السكاني القرى و البادية.

هكذا كان الحال قبيل و عشية صدور قانون الجنسية عام 1959 وقد كان المفروض أن يأتي هذا القانون متوافقاً و التطور الموضوعي للمجتمع الكويتي وأن يعمل به بموجب هذا التوافق، ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل إن عكسه هو ما حدث تماماً في المدة الأخيرة. فبدلاً من البدء في تجنيس سكان الكويت بأقسامهم الثلاثة، البدو – الحضر – القرويين، ثم الالتفات إلى احتياجات المجتمع الجديد والبحث عن المجموعات البشرية القادرة على تلبيتها و من ثم العمل على تجنيسها بل و ترغيبها في هذا التجنيس، بدلاً من أن يحدث ذلك، حدث العكس تماماً حيث أدى قانون الجنسية والعرف الاجتماعي والدافع السياسي إلى عدم الالتفات إلى احتياجات المجتمع والتجنيس بموجبها كما أدى وبشكل جزئي إلى حرمان بعض أفراد هذا المجتمع من التمتع بجنسيته.

لقد شكلت الحكومة لجاناً من اجل تجنيس أهل الكويت بأقسامهم الثلاثة السابقة، وقد حرصت من أجل ضمان قانونية و شرعية التجنيس أن توكل أمر هذه اللجان إلى أشخاص يستطيعون تمييز الكويتيين في كل الأقسام الثلاثة، فلأهل المدينة شكلت لجاناً تضم بعض كبار السن من أحياء المدينة الثلاثة، بحيث يستطيعون التعرف على طالب الجنسية وما إذا كان من سكان الكويت قبل العشرين ام لا، وكذلك هو الحال بالنسبة للقرى، أما أهل البادية فقد كان من الصعب تحديدهم قياساً إلى مكان إقامتهم كحال سكان المدينة والقرية بسبب عدم استقرارهم و سعيهم الحثيث وراء العشب والماء، لذا فقد أوكلت الحكومة إلى كل زعيم قبيلة أو كبيرها في الكويت او من المتنفذين فيها أوكلت إليه مسألة تجنيس الكويتيين من تلك القبيلة، و الواقع أن هذا خطأ كبيراً من الحكومة، إلا أنه لم يكن أمامها إلا أن تقع فيه، فلجان المدينة و القرى اشترطت أن يتقدم طالب الجنسية بإثباتات مادية صحيحة وموثقة تدعم حججه كملكية بيت أو وصل إيجاره كما اشترطت على من لا يملك ذلك أن يحدد مجال عمله و سكناه بالتواريخ، فسكان الكويت كانوا قليلين و بالتالي كانوا معروفين، ولم يكن لأحد ان ينجح في إدعائه، اللهم إلا القلة الذين أصر البعض على مساعدتهم و الإدلاء بمعلومات خاطئة لصالحهم، هكذا كان الوضع بين سكان المدينة والقرى، أما في البادية فقد سارت الأمور ولكن بغير ما خطط لها..

فالذين أوكلت لهم مسألة تحديد كويتيي البادية كانوا أمينين على هذه المهمة ولكن بالقدر الذي هم أمينون فيه على انتماءاتهم القبلية و تقاليد هذا الانتماء، وكان أن خضع التجنيس للتقاليد القبلية بالقدر الذي خضع فيه إلى المصلحة العامة و القانون المشرع، و الحقيقة أن هذا كان ايضاً أمراً لا بد منه، فرجل القبيلة الذي أوكلت له إليه مسألة تجنيس أو ترشيح أفراد القبيلة الذين استوطنوا الكويت لنيل الجنسية الكويتية كان خاضعاً ومخلصاً لتقاليده القبلية، و هذه التقاليد لم تكن لتفرق كثيراً بين أبناء القبيلة الواحدة، خصوصاً أن هذه التقاليد تربط أفراد القبيلة بزعماء العشائر والبطون منهم، وكان طبيعياً ان ينضوي أفراد القبيلة تحت جنسية زعيمها وكان طبيعياً أن لا يفرق هذا الزعيم بين من اعتبرتهم التقاليد القبلية أبناء عم ولو كان لا يجمع بينهم سوى الجد العاشر، وهكذا حاز على الجنسية الكويتية في البدء أناس لم يكونوا كويتيين تماماً وبهذا فتحت أول ثغرة في عمليات التجنيس الكويتية، و الواقع انها لم تكن ثغرة خطرة ولا حتى صعبة وذلك للاسباب الآتية:

1- إن الذين حازوا على الجنسية الكويتية من أبناء البادية غير الكويتيين كانوا قلة معدودة، وقياساً إلى حملة التجنيس العامة التي بوشر فيها مع صدور القانون فإنهم لم يكونوا قطاعاً ضخماً متميزاً يصعب تعايشه و ذوبانه في المجتمع الكويتي.

2- إن هؤلاء الذي منحوا الجنسية الكويتية من خارج بادية الكويت لم يكونوا غرباء تماماً عن الكويت وعن علاقتهم بسكانها، بل كانوا من البدو الذين تربطهم بسكان بادية الكويت علاقات و صلات اجتماعية معينة كانت تجعلهم قريبين من المجتمع الكويتي و قادرين على التكيف معه.

3- لقد كان هؤلاء – وهذا هو المهم – راغبين في المواطنة الكويتية وساعين لها، أي أنهم اختاروا برضاهم وحسب مصلحتهم ان يكونوا كويتيين، لا لشيء إلا لأن المجتمع الكويتي وأسلوب حياته قد توافق و طموحاتهم ولذا لم يكونوا غرباء في هذا المجتمع، كما لم يتعارضوا نفسياً و ثقافياً معه، و الواقع أن هذا كان سبباً رئيسياً في سرعة اندماجهم و ذوبانهم في المجتمع الكويتي، و هذا ما كان يميزهم عن المجاميع الاخرى التي جنست في المدة الأخيرة.

أي أن التركيبة السكانية للمجتمع الكويتي لم تتغير كثيراً بفعل عمليات التجنيس هذه، كما ان هذه العمليات و بشكل عام لم تتعارض مع احتياجات المجتمع الجديد للقوى البشرية وإن كانت لم تلب كل هذه الاحتياجات، حيث إن الواقع كان يفرض من وقتها ضرورة احتضان الكفاءات العربية و الأجنبية التي قدمت لتقديم خبرتها للكويت وكان يتطلب ضرورة تجنيسها، بل وحتى ترغيبها في هذا التجنيس، إلا أن هذا في الواقع لم يحدث عدا بعض الحالات الفردية التي تكاد تسمى بالاسم. إلا أن هذا لم يمثل فجوة ولا انقلابا في التركيبة السكانية للكويت، بل يمكن الجزم بأن عملية التجنيس في الكويت سارت بشكل طبيعي حتى ذلك الوقت.

أما متى ابتدأ ميزان التركيبة السكانية في الاختلال ومتى بدأت عمليات التجنيس في الشطط و الجنوح فهذا ما تم بعد أواسط الستينات من هذا القرن.

فبعد إقرار النظام الديمقراطي و صدور قانون الانتخاب وقصره حق الانتخاب على الكويتيين أخذت المصالح الانتخابية تتدخل بشكل غير طبيعي و غير صحي أيضاً في عملية التجنيس، وكان هذا التدخل بطيئاً ونسبياً في بداية الأمر، إلا أنه مع إطلالة عام 1965 و إحساس بعض أطراف النظام بتنامي المعارضة السياسية و بالتالي تضخيمهم غير المعقول لقوتها، كل هذا دفع بهم خطأ إلى التفكير في تطويق هذه المعارضة، وبما أنها تتنامى و تنتشر داخل صفوف الشعب الكويتي فكان أن تفتق ذهن البعض عن اللعبة الخطرة التي لم تقتصر آثارها و نتائجها على الجانب السياسي وحسب، بل كل الجوانب الإيجابية التي كانت قائمة في المجتمع، وكانت هذه اللعبة هي لعبة تغير التركيبة السكانية تبعاً لتغيرها، و هنا فقط جنحت عمليات التجنيس، و هنا فقط كان لها مردودها السلبي، والسلبي فقط … ليس على الجانب السياسي كما قلنا وحسب بل والجانب الاجتماعي بكل ما يمثله من قضايا متعددة.

و عملية التجنيس بالآلاف التي تمت بهذا الهدف في عامي 65 – 66 واقتصرت على الرجال الراشدين الذين يحق لهم الانتخاب كانت خارج عملية التجنيس الأصلية وبعيداً عن أهدافها ومتناقضة أصلا وعملية تطوير المجتمع الكويتي و تقدمه، حيث أنها اقتصرت على تجنيس أبناء البادية و من خارج الأرض الكويتية، وقد كان لهذا تبعاته ونتائجه السيئة، فهولاء الذين تم تجنيسهم، وكما قال النائب الخطيب في معرض تناوله السريع في المجلس لهذه العملية، أنهم كما قال “يختلفون من حيث التكوين النفسي والثقافي عن المجتمع الكويتي” والواقع أن هذا الإختلاف أو هذا الانتقاء لهذه النوعية كان مقصوداً و متعمداً مع الأسف، و الواقع أن هذا الأمر لم يقتصر على هؤلاء وحسب، بل كان من نتائجه أن أخذ المتجنسون الجدد و المختلفون في تكوينهم النفسي و الثقافي عن المجتمع الكويتي، أخذ هؤلاء يستقدمون أقرباءهم و ذويهم، فالتجنيس كما قلنا إنما انصبّ على الرجال الراشدين ممن يحق لهم الانتخاب إلا أنه كان من الطبيعي أن لا يستوطن هذا المجنس لوحده، وكان طبيعياً أن يستقدم أسرته و ذويه معه وكان طبيعياً أن يسعى هؤلاء للاستيطان ونيل حقوق المواطنة كالآخرين، و غني عن القول أن هذا أحدث فجوة عميقة بين هؤلاء وبين المجتمع الكويتي ككل، وبكل أقسامه الثلاثة، حضراً كانوا أم بدواً أم سكان قرى.

ولم يكن هذا الخطأ الوحيد الذي أفرزته عمليات التجنيس بقصد انتخابي، بل إن الخطأ الثاني كان في تناسي من يستحق الجنسية الكويتية ولكن تم التغاضي عنه أو لم يجد من يمد له عوناً على الأقل لا لشيء إلا لأنه ليس بذي منفعة انتخابية، و هؤلاء كانوا أغلب رجال الشرطة و الجيش الذين تجاهلتهم هذه القوى بل و تجاهلهم أيضاً أهلهم وذووهم لأن قانون الانتخاب كان يمنعهم من حق التصويت.

إلا أن هذا لم يكن كل شيء إذ إن المجتمع الكويتي الذي تفاعلت معه اجناس عديدة وذاب بعضها ذوباناً كاملاً أو شبه كامل فيه رغم وجود بعض الفوارق المذهبية بين بعض هذه الأجناس والمجتمع الكويتي كالحال مع بعض المهاجرين من الأرض الفارسية، إن المجتمع الكويتي كان قادراً على احتضان هذه المجموعه المجنسة وضمها بين جناحيه كالآخرين … ولكن هذا ما كان يتعارض مع احلام البعض و مصالحهم الإنتخابية و السياسية، فكما أوضحنا، تمت عملية تجنيسهم بدوافع إنتخابية وحسب، ولذا فإن أي تطور يتعرض له هؤلاء و يتعارض مع هذه الدوافع كان يتعارض و مصلحة القوى التي سعت لتجنيسهم، من هنا كان هم هذه القوى أن يحتفظ هؤلاء بوضعهم، بانعزالهم، بتكوينهم الثقافي والنفسي المتميز عن غيرهم من الكويتيين.

ومن هنا أيضاً أطلق هذا البعض نغمة التفرقة العنصرية بين البدو و الحضر، أي بين هؤلاء المتجنسين و سكان الكويت، ووجد البعض من أهل الكويت مصلحة في تعميم هذه النغمة فانضموا إلى جوقة العازفين عليها ظناً بأنهم يحققون مصالحهم من خلال استثارتها، وكأن الكويت لم يكن فيها بدو على الإطلاق، وكأن حضر الكويت أنفسهم لم يكونوا بدواً يضربون في بطون الجزيرة العربية قبل أن يختاروا الاستيطان في أطرافها الساحلية. و هكذا أطلق البعض هذه النغمة الجديدة في المجتمع الكويتي كي يحفتظ بهذا الاحتياطي السياسي سنداً و دعماً له في المعركة الانتخابية وفي معركة التطوير الاجتماعي ضد القوى السياسية المعارضة و النشطة في المجتمع الكويتي.

و الواقع ان هذا البعض يشتط بعيداً في أحلامه، ويراهن خاسراً على بث روح التفرقة واستثارة العواطف العصبية طمعاً في الاحتفاظ بالأوضاع على ما هي عليه، ولكن قوى التغير دائماً في حركة، وحركتها دائمة إلى الأمام، وهذه القوى التي حضرت بدو الكويت الأوائل وطورت حضر الكويت الذين كانوا بدواً قبل ذلك، قادرة الآن وبالضرورة على الإرتقاء بالمستوى الاجتماعي للسكان الجدد، وإذا كان البعض قادراً على تأخير هذا الارتقاء وليس على إلغائه، فإن القوى الوطنية قادرة من جانبها على التعجيل به وما عليها إلا أن تعمل، فمصلحتها مع مصلحة هؤلاء السكان الجدد الذين سيكونون بلا شك أكثر استجابه لما تطرحه هذه القوى لأنه يتلاقى ومصلحتهم.

والآن، ما الهدف من كتابة هذا المقال المطول وبهذا الشكل المفصل؟ ونجيب: إن الهدف هو قطع الطريق على محاولات البعض إثارة العصبية القبلية في حمية من فرضت عليهم ظروف الحياة الجديدة تناسيها، واتهام القوى الوطنية بانها صاحبة هذه الدعوة وهذا الاتجاه بينما واقع الحال و تاريخ الكويت يشهد بأن أقسام سكانه الثلاثه التي عددناها عاشت ردحاً من الزمن – وستعيش – متوافقه و مترابطة ليس فقط لأن أحداً لم يكن من مصلحته إثارة النعرات المتعددة بينها بل لأن هذه النعرات لم يكن بالإمكان أن تثار بسبب أن أصل الأغلبية كان الصحراء. وأن الاختلاف في التكوين الثقافي و النفسي لم يكن وارداً بينهم، وأخيراً يستطيع الجميع أن يحرث في البحر ولكن أحداً لن يتوقع له أن يجني ثمراً.

عبداللطيف الدعيج

21-10-1974